المعروف
أنه من الصعوبة بمكان تأسيس شركة من لا شيء،
لكن الأصعب من ذلك تأسيس شركة عندما تعاني بلدك
من ويلات الحرب فمن الممكن أن يكون العمل الذي
تبدأه عملاً مثمراً للغاية، لكنك لا تعلم هل ستكون للنقود التي تكسبها اليوم أية قيمة غدًا أم لا،
كما أنه من الممكن حدوث حالة من الاضطراب السياسي المفاجئ التي تتركك على فوهة بركان
محترق بدلاً من تجارة كانت مزدهرة في يوم من الأيام.
ولقد كان لدى حنان صعب، وهي من بيروت، حلم كبير يتمثل في إنشاء شركة مبيعات
للأدوية تكون ملكها. ولقد تأثر حلم حنان بشكل مباشر بوالدها، والذي كان في وقت من الأوقات
يمتلك أقدم صيدلية في لبنان في وسط المدينة ببيروت، لكنها وللأسف احترقت تمامًا أثناء الحرب
الأهلية التي دامت لمدة 15 عاماً وأتت على الأخضر واليابس في البلد. لاحظت حنان وجود ثغرة
في السوق يمكن أن تستغلها لصالح عملها الخاص: تلك التجارة التي هي عبارة عن مزيج من
المعرفة المتخصصة بأمور الصيدلة، والعلاقات القوية بالعملاء والموردين، وخدمة عملاء من81
المستوى الرفيع. ولقد أدركت حنان من خبرتها الخاصة في مناخ أجبرها هي وأسرتها على الانتقال
11 مرة خلال عام واحد، لمجرد الحفاظ على أمنهم، أدركت أن بدء عمل تجاري وتشغيله ينطوي
على تحديات فعلية.
وفي عام 1990 ، وبعد الخروج من حرب طويلة وشاقة مباشرة، لم تكن لبنان المكان
الأكثر استقراراً لبدء عمل تجاري، وقد أدركت حنان صعب أنها قد تواجه العديد والعديد من
التحديات. وتعترف حنان قائلة، "لقد كان هناك الكثير من المخاطر. عندما أسست تجارتي، كان
الجميع يعتقدون أنه من الجنون الدخول إلى سوق مشبعة بالفعل بالموزعين، كما أنهم اعتقدوا أنه
من الجنون أيضاً التجارة في منتجات قد لا تدر عائداً سريعاً. وكان أصدقائي يقولون، لديك وظيفة
ثابتة ومستقرة، وأنت أم ولديك أسرتك، ولديك دخلك الثابت تحصلين عليه في نهاية كل شهر. كيف
تضمنين أن تنجح تلك التجربة؟ بالطبع لم أكن متأكدة من نجاح تلك التجربة، لكنني كنت أعلم يقيناً
أنني على استعداد لبذل الجهد والعرق والاجتهاد لبيع أشياء قد تغير حياة الناس. والأهم من تلك
الأمور العادية حقيقة أن بلدي كانت تمر بفترة عدم استقرار شديد، فقد كانت هناك مخاوف حقيقية
وكثيرة من تدهور سعر العملة، وكذلك كانت هناك مخاوف من الاستدانة من الموردين وعدم القدرة
على تسديد تلك الديون. ولقد كانت لبنان في تلك الفترة على شفا بركان قد يثور في أية لحظة، فلا
أحد يضمن وجود الأمان في اليوم التالي، وقد يحدث انفجار أو ثورة سياسية في أية لحظة. فلقد
كانت لبنان منطقة تفتقد إلى الاستقرار، وتأسيس عمل تجاري بها في تلك الظروف كان مخاطرة
حقيقية."
ومع ذلك، رفضت حنان صعب أن يحول دونها ودون أمالها في إنشاء شركة مبيعات
للأدوية تكون ملكها أي شيء. وبدلاً من رؤية الجانب المظلم والتحديات فقط، رأت حنان أيضاً في
امتلاكها لتجارتها الخاصة فرص لإثبات الذات. وبالتالي، وبدلاً من الهروب مما قدر لها، أقبلت
عليه وسارت قدماً. وتقول حنان، "أثناء الحرب، تدربت في مستشفى الجامعة الأمريكية على أمور
صيدلة المستشفيات. ولقد لاحظت وجود فرص للحصول على بعض المنتجات الطبية، وطرحها
في الأسواق، لكنني شعرت أنني قادرة على فعل ما هو أكثر من ذلك. فأنا لدي الطموح، ولا أتحمل
مجرد فكرة أن أحصر نفسي وقدراتي في كوني مجرد صيدلانية تعمل في المستشفيات. لقد أردت
عمل شيء يشعرني أنني قد حققت ذاتي، مع خلق فرص عمل للآخرين. وهو بالفعل ما حدث.
لقد بدأت وحدي، نظراً للوقت الذي يستغرقه تسجيل الأدوية في وزارة الصحة. إنها عملية طويلة
ومتعبة، فالأمر ليس مجرد الحصول على المنتجات ثم البدء في بيعها في اليوم التالي. فعليك
تجميع الملفات، وتوفيرها لسلطات الصحة لدراستها حتى يتم منحك الترخيص لتسويق منتجاتك.
وبالتالي بدأت شركة Pharmamed بموظف واحد فقط، هو أنا، والآن يوجد 25 موظفاً يعملون
بالشركة. وعملاؤنا الأساسيون عبارة عن مستشفيات، وصيدليات، ووزارة الصحة، والجيش
وغير ذلك من الجهات الحكومية."
ومنذ الوهلة الأولى، ركزت حنان على التسويق لمجموعة مختارة محددة بعناية من
الأدوية التي كانت معظم الشركات الأخرى تتجاهلها. ولقد ساعدها ذلك ليس فقط على بدء عملها
والخروج به من عنق الزجاجة، هذا بل إلى منافستها الناجحة للكثير من الشركات الكبيرة التي
كانت تتحكم في السوق اللبنانية. وتقول حنان، "عندما بدأت هذا العمل التجاري، ما كان يدور
في ذهني حينها هو أن ما أريده هو الدخول إلى سوق نموذجية توفر منتجات ذات قيمة عالية،
نظراً لأن لبنان كانت مشبعة بالآخرين الذين يعملون في نفس هذا المجال. فقد كان التركيز على
المنتجات ذات القيمة العالية أمراً جيداً بالنسبة لي ولعملي التجاري، كما أنه أفاد المستخدم النهائي
من خلال الحصول على رعاية صحية عامة أفضل للمرضى. ومن أمثلة تلك المنتجات ذات القيمة
العالية تركيبات مركزة كانت تتيح للمريض تناول جرعة واحدة فقط كل يوم بدلاً من تناول ثلاث
أو أربع جرعات من الدواء، كما أنها كانت ملائمة بشكل أكثر للمرضى بالإضافة إلى أنها تساعد
على تحقيق نتائج أكثر فاعلية."
ولقد كانت حنان تمتلك ميزة واحدة تميزها عن منافسيها من الشركات العالمية أو الشركات
الأكبر من شركتها، وهي أنها شركة صغيرة وبالتالي لديها القدرة على الاستجابة بشكل سريع
للتغيرات التي تطرأ على السوق. وبالتالي، فقد قررت التخصص في توفير أحدث أدوية معالجة
السرطان وأدوية السيطرة على الآلام، وبناءً عليه تابعت هذا الحقل الطبي سريع التطور عن كثب.
وتقول حنان، "فيما سبق، عندما كان يتم تشخيص مرض أحد المرضى على أنه سرطان، كان يتم
تركهم للرجوع إلى منازلهم، فلم يكن بيد أحد ما يمكن فعله لهم. أما الآن، فالأمور تختلف كثيراً. ولقد
أردت استهداف هذا المجال لتوفير أدوية وعلاجات جديدة للمرضى، مع إضفاء المزيد من القيمة
على المنتجات التي يتم توفيرها للمستخدم النهائي. فلقد اهتممت بتدريب نفسي وتعليمها للعثور على
الاتجاهات الجديدة وانتهاز الفرص قبل الآخرين. فقد كانت Pharmamed هي أولى الشركات
التي كانت توزع الأدوية غير المسجلة تجارياً، وبالخصوص الأدوية غير المسجلة الخاصة بمرض
السرطان، في الدولة. فلقد تعاملت مع الأدوية المقيدة وأدوية السيطرة على الألم. ولقد كانت شركتي
Pharmamed رائدة في توفير أدوية حيوية فيما يتعلق بهذا النوع من الأمراض لأنه في تلك
الفترة من التسعينيات كانت لبنان قد خرجت من الحرب وكان هناك نقص في الكثير من الأدوية،
خصوصاً الأدوية المقيدة. ونظراً للخوف من التعامل في هذا النوع من الأدوية فإنه لم تكن هناك
الأدوية التي تساعد المرضى على التخفيف من آلامهم. ويعتمد علينا عملاؤنا اعتماداً كبيراً لتوفير
الأدوية للحالات النادرة أو الصعبة لأنهم يعلمون تمام العلم أننا على استعداد لبذل كل الجهد لتوفير
تلك المنتجات التي u1610 íصعب العثور عليها لهم. إننا لا نتوقف لحظة عن البحث أو القراءة، فأنا أراسل
وأشارك في المؤتمرات والعروض التجارية للتعرف على المنتجات والوسائل الجديدة فيما يتعلق
بهذه الأنواع من الأدوية."
وعندما وجهنا السؤال إلى حنان لإخبارنا لماذا لم تقتحم الشركات الأخرى تلك السوق
النموذجية التي قامت هي بوضع حجر الأساس لها في لبنان من خلال شركتها ،Pharmamed
ردت حنان أنها تعتقد أن السبب في ذلك هو تخصص شركتها في قطاع محدود من السوق،
واستعدادها لبذل جهد أكبر لإشباع رغبات عملائها حيث أن شركتها لا تهدف إلى الربح فقط. "إننا
نبحث عن المنتجات الجديدة التي تظهر لعلاج أمراض مختلفة، مثل أنواع محددة من السرطان،
بحيث يتسنى للطبيب العثور على العلاج المناسب عندما يتم التأكد من إصابة شخص ما بالمرض،
ونحن يمكننا في هذه الحالة توفير هذا الدواء. فمن المرجح أننا نكون قد علمنا بهذا المرض، وبدأنا
العمل لتوفير الأدوية له، حتى إن كان نوعاً من أندر أنواع السرطان. إن الأمر يتعلق باحتلال مكانة
مناسبة لك في السوق، بطريقة لا تتوقف عند مجرد إضافة فوائد إضافية لعملائك، بل من خلال
الاستعداد لبذل كل نفيس لإتاحة الأدوية للناس حتى إن كان العائد ليس مرتفعاً."
وعلى الرغم من أن رغبة أسرة حنان في الاستثمار قد جعلت من العثور على النقود
اللازمة لحنان لبدء علمها التجاري أمراً أقل صعوبة، فقد كان توفير النقد الإضافي اللازم للنمو
يمثل إشكالية أكبر. فعندما تمر البلد بفترة من فترات تدهور الاستقرار السياسي العارضة، يكون
من الصعب الحصول على الدعم المالي. تقول حنان، "إن أصعب المواقف التي واجهناها كان
الموقف الذي تعرضنا له خلال السنة الماضية. فالبنوك تؤكد لك أنها ستدعمك، لكن عندما يحين
الوقت المناسب للاستفادة من تلك الامتيازات التي تتفق عليها معهم، فإنهم لا يكونون دائماً مستعدين
للدعم. فبدلاً من توفير، دعونا نفترض، 100 % مما وعدوا به، فإنهم يخبرونك أنهم لن يستطيعوا
إلا توفير 80 % فقط من تلك الوعود نتيجة سوء الوضع السياسي. وعندما تم اغتيال رئيس الوزراء
رفيق الحريري، استمرت فترة الخطر التي مرت بها العملة لمدة تتراوح بين أربعة وخمسة شهور
وبالتالي ارتفعت نسب الفائدة. ولحسن الحظ، في الوقت الذي ذهبنا فيه إلى البنك للحصول على
تمويل، كانت الأمور قد هدأت، وبدأت أسعار الفائدة في الاستقرار، وتمكننا من تجاوز تلك الأزمة.
فهذا الأمر كان أحد الأمور التي أطارت النوم من عيني. فقد كان ذلك وضعا فائق الصعوبة."
إن إنشاء عمل تجاري ناجح يتطلب ما هو أكثر من توافر رؤية لذلك العمل، فهو يتطلب
التمويل والعمل الجاد، وبطبيعة الحال الموظفين المناسبين. فحنان تهتم اهتماماً شديداً بمعاملة
موظفيها بطريقة تشجعهم على بذل أقصى طاقاتهم في كل يوم من أيام الأسبوع، وبما يضمن
ولاءهم التام للشركة. وهذا الأمر شاق للغاية في بلد مثل لبنان حيث يؤدي عدم الاستقرار السياسي
بالناس إلى الرغبة في الهجرة إلى أماكن أكثر أماناً وأقل تقلباً وسخونة. وتؤكد حنان أنه "لسوء
الحظ، لا يرغب الناس في البقاء في هذا البلد. فلقد هاجر الكثير من اللبنانيين للخارج وهو أمر
خطير من وجهة نظري. فقد حلم كل زملائي الذين كانوا يعملون معي في مستشفى الجامعة
الأمريكية بالرحيل عن هذه البلد التي تتسم بغليان واضطراب الأوضاع فيها. إنني أفعل كل ما في
وسعي للعثور على الموظفين المتميزين، والمحافظة عليهم. إننا نستثمر في الموظفين الراغبين في
زيادة معارفهم وخبراتهم. فلدي موظفة تعمل في الشركة تريد الحصول على درجة الماجستير.
فأخبرتها أننا على استعداد لتقديم يد العون لها لإتمام تعليمها إن أثبتت أنها مستعدة للاستمرار في
العمل في شركة ".Pharmamed
وحنان تدرك أيضاً ضرورة معاملة موظفيها بشكل فيه عدل، كما أنها تهتم بتحديث
سياسات الشركة بما يتناسب مع احتياجات الموظفين، وبما يساعد في النهاية على الحفاظ على
العمالة المستقرة، والموهوبة. لكن ليس هذا هو كل شيء. تقول حنان، "إنني أفكر في وضع
برنامج لمشاركة الأرباح مع الموظفين. فعندما كنت في الولايات المتحدة الأمريكية، علمت أنهم
يجعلون الموظفين شركاء معهم في شركاتهم، وهو أمر أرجو أن يتحقق هنا في يوم من الأيام. لكن
الخطوة الأولى التي أريد أن أخطوها هي أن أجعل موظفي الشركة يشعرون أنهم يمكنهم الحصول
على ما تتيحه الشركات الأخرى، خصوصاً الشركات متعددة الجنسيات، في شركتي. إن شركة
Pharmamed لن تنمو إلا من خلال موظفيها، فنحن كلنا يمكن أن ننمو معاً، مع تزايد المعرفة
والخبرة والنجاح. يجب أن تمنح الموظفين الفرصة لاكتشاف ما يريدونه، وفي نفس الوقت عليك
زيادة خبرتهم ودعمهم."
والأهم من ذلك، أن حنان تريد التأكد من قدرة شركة Pharmamed على الاستمرار
في المستقبل دون وجودها، والتأكد كذلك من قدرة الموظفين على إدارة الشركة عندما يحين الوقت
لذلك. فشعور الموظفين أن الشركة ملكهم كما هي ملكها أمر جوهري. تقول حنان، "إنني أحاول
تعليم الموظفين في الشركة أن عليهم الاستمرار ودفع الشركة للأمام بغض النظر عن وجودي،
وحتى إن مت. يجب أن يكون الهدف من عملك في هذه الشركة هو تحقيق الاختلاف ودفعها للنمو.
ولهذا السبب، فأنا دائماً أشركهم في العمل التجاري، وأدعوهم للمشاركة بالأفكار الجديدة التي
تساعد على تطوير العمل. أنا أخبرهم أننا شركة دائمة النمو، وسنستمر في النمو من خلال الجهود
التي يبذلها كل الموظفين العاملين في الشركة. فأنا أحلم أن تصل الشركة إلى المرحلة التي تتمكن
فيها من السير بمفردها دون وجودي، إلا أنها حتى هذه اللحظة ما زالت شركة صغيرة. فأنا أطلب
من الموظفين أن يتسموا بالإبداع، وعندما يتعاملون مع الواقع الميداني، عليهم التوصل إلى أفكار
جديدة. يجب ألا يتوقف الأمر عليّ أنا وحدي. فهم بمثابة العيون والآذان لي. فهم من يصنعون
الاختلاف في الشركة، إنهم المستقبل."
ولا نفاجأ عندما نعرف أن حنان صعب لديها خططاً كبيرة لشركتها ووطنها. "إننا نرغب
حقاً في توسيع نطاق أعمالنا ليشمل دول أخرى غير لبنان. ولقد بدأنا في تنفيذ هذا الأمر بالفعل،
ونحن الآن نعمل على تنمية السوق الخارجية بشكل تدريجي لرأب الثغرات إن واجهتنا صعوبات
هنا. فلدينا مكتب تمثيل في الأردن، كما يوجد لدينا موزع الآن في الإمارات. وقد قمنا بتسجيل
منتجات إحدى الشركات الأمريكية في مصر، وأنا الآن أتفحص إمكانية نشر منتجاتنا في تونس
والمملكة العربية السعودية وتركيا."
وعندما سُئلت عن خبرتها كونها إحدى سيدات الأعمال في سوق صعبة، ردت حنان
بحماس قائلة، "إن النساء لديهن القدرة على إنشاء الأعمال التجارية، أنا أرى أنه إن ركزن جيداً،
فسيساعدن في تحقيق نمو اقتصادي كبير لبلادهن. ففي لبنان، لدينا الكثير من الموارد التي لم يتم
اكتشافها، وفي رأيي تعتبر النساء أحد تلك الموارد، فهن لديهن العلم ونفاذ البصيرة والإبداعية.
إنني أفرح كثيراً عندما أرى أن شركتي تساهم في توفير الرفاهية لخمسة وعشرين أسرة. والآن،
تخيلوا معي، إذا كان لدينا 10.000 شركة تنشئها وتؤسسها النساء، فكم وظيفة يمكن توفيرها، وكم
أسرة ممكن أن تتأثر بتلك الشركات. في تلك الحالة، يكون التأثير الإيجابي على اقتصادنا وعلى
أسر وطننا ومستقبل بلدنا هائلاً."