في بدايات التسعينات، بدأ محمد عنتري بوزار الاستماع بجدية إلى أصدقائه الذين كانوا يتحدثون عن معدات الكمبيوتر ومدى رغبتهم في الحصول على هذا الجهاز أو على تلك التقنية المتطورة. ولقد رأى أن الدخول إلى عالم التجارة من خلال توزيع معدات تقنية المعلومات بهدف توزيع التقنيات الجديدة، وعلى وجه الخصوص، معدات الكمبيوتر، قد يوفر له فرصة لإنشاء عمل تجاري جديد. وبالتالي قام بإنشاء شركة ) Algeria Business Multimedia ABM (، وهي شركة متخصصة في بيع أجهزة الكمبيوتر والمعدات المتعلقة بها مثل أجهزة الشبكات والإنترنت بالجملة.
وأهم ما توفره شركة ABM لعملائها في الجزائر هو التنوع الكبير لمنتجات الكمبيوتر، فهي تمثل على وجه التقريب كل العلامات التجارية الكبيرة المختصة بإنتاج الأجهزة والمتاحة حاليًا في السوق العالمية. والشركة معروف عنها توفير المنتجات الجيدة، وبأسعار في متناول الجميع. وأهم ما يميز شركة ABM هو احتفاظها بمخزون كبير من السلع الحديثة والهامة، بحيث لا يضطر العملاء للانتظار للحصول على ما يحتاجون إليه. ويقول عنتري بوزار، الذي يقوم باستيراد كل هذه المنتجات من الدول الأخرى، ‘‘إن الميزة التي تجعل شركتنا خارج المنافسة ونتميز بها على منافسينا هي تقليل وقت الانتظار بين ظهور المنتج الجديد في الأسواق وبين قدرة عملائنا على الحصول عليه. وحيث إننا شركة استيراد كبيرة، فلدينا القدرة على توفير أسعار تنافسية جيدة، تساعد على عودة العميل إلينا مرة أخرى.’’
والغريب أن الطريق الذي أخذه محمد للوصول إلى عالم الأعمال الخاصة لم يكن طريقًا مباشرًا. فلقد درس في المعهد الفني للفنون المتعددة بالجزائر، حيث حصل على شهادة في الهندسة المدنية. وأثناء دراسته، كان يعمل مع أبيه وإخوته في تجارة المجوهرات التي كانت تعمل بها عائلته، حيث كان يسافر ويحقق كمية كبيرة من المبيعات لهم. ‘‘بعد أن أنهيت دراستي، كان لي أن ألتحق بالجيش لتأدية الخدمة العسكرية لمدة عامين. ثم بدأت أفكر في الاعتماد على شهادتي التي حصلت عليها في الهندسة المدنية لإنشاء شركة استشارية. ولكن في التسعينات، لم يكن من الممكن بدأ عمل خاص في هذا القطاع. فقد كانت الجزائر حينها ما زالت عبارة عن دولة اشتراكية تغرق في البيروقراطية مما جعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على أي شاب الحصول لنفسه على موطئ قدم في عالم الأعمال الخاصة. فلم تكن هناك معلومات حقيقية حول هذا القطاع يمكن دراستها، بل لم تكن هناك بيانات خاصة بالدولة أو عامة متاحة لتحديد هل يمكن أن تقوم تلك الشركة الاستشارية التي كنت أفكر فيها على قدمها أم لا. ومن ناحية أخرى، كانت الدولة تتجه من الاشتراكية نحو الاقتصاد المفتوح المعتمد على السوق، ورأيت أن سوق الكمبيوتر ينمو بشكل مضطرد. وأدركت للتو أن هذا السوق يناديني ويحجز لي مكانًا فيه.’’ ويقول عنتري بوزار إنه عندما أنشأ شركة ABM ، لم يكن يدرك المخاطر المحتملة التي ينطوي عليها هذا الأمر. ‘‘لقد كان كل أفراد عائلتي يمارسون الأعمال الخاصة. فقد كان جدي صاحب عمل خاص في مجال العقارات، وقد تمكن من تحقيق نجاحات كبيرة. كما كان والدي صاحب عمل خاص، وفي نهاية الأمر، أصبح واحدًا من أكبر تجار الجواهر في الجزائر.
إلا أنني في الحقيقة دائمًا ما كنت أريد أن أحذو حذو جدي لأمي.’’ ولقد كان مأخذ بوزار على الأعمال الخاصة أنها ‘‘نوع من أنواع المخاطرة، تتحمل أنت وحدك نتائجها. فقد شعرت أنني أخاطر مخاطرة محسوبة، وفي حالة فشلي، يمكن أن أعود مرة أخرى للعمل في مجال الهندسة المدنية أو العمل مع عائلتي في تجارة المجوهرات.’’ وكان في ذلك الوقت قد تمكن من توفير بعض رأس المال الخاص به، وقد كان من الممكن له الحصول على بعض الدعم المالي من أسرته، إلا أنه اختار أن يبدأ العمل دون الاعتماد على الغير. إلا أن عنتري بوزار قد واجه تحديات ومخاطر أخرى أثناء سعيه ليصبح صاحب عمل خاص، فقد كانت الجزائر في تلك الحقبة تتغير سياسيًا، ولم تكن البيئة مشجعة لأي شخص يريد بدء عمل تجاري. يقول عنتري بوزار، ‘‘عندما كانت الدولة لا تزال تتبع النظام الاشتراكي، كان على كل من يشترك في الأعمال التجارية تجنب النجاح الكبير الذي قد يلفت الأنظار إليه، وكان عليه أن يظل قابعاً خلف الستار. فإذا ظهرت ملامح الثروة بشكل واضح وجلي للعيان على أي شخص، فمن المحتمل أن يتم استهدافه. فلم يكن ينظر إلى الثروة الواضحة على أنها شيء جيد. كما كان يوجد خطر الإرهاب، الذي ساد في بداية التسعينات في الجزائر.’’
وكما هو الحال مع الكثير ممن أسسوا أعمالاً تجارية، عندما بدأ محمد عمله التجاري كان يقوم بكل شيء بنفسه. فقد كان يقوم بأعمال المبيعات وإدارة المخازن والطلب، بالإضافة إلى أنه كان يهتم بكل المهام الإدارية بنفسه. ولقد اختلفت الأمور كثيرًا اليوم، حيث يعمل في شركة Algeria Business Multimedia اليوم حوالي 50 موظفًا. ومع تعينه لموظفين جدد إلا أن رغبته في المشاركة بنفسه في كل مهام ومسئوليات العمل قد أدت إلى خلق بيئة عمل ديمقراطية للغاية. يقول عنتري بوزار ‘‘إن بيئة العمل في شركة ABM لا تتقيد بهيكل وظيفي ثابت، فأي واحد منا يقوم بما يلزم القيام به. فلا توجد ألقاب وظيفية لأي أحد منا. كما يتم نشر المعلومات بكل حرية وسرعة، وبالتالي، فنحن لا تقيدنا الهيكلية أو البيروقراطية. فأنا دائمًا أحاول التأكد من توفير كل ما يحتاجه الموظفون للقيام بأعمالهم على أكمل وجه، وأنهم يعملون في بيئة عمل صحية. إن الموظفين في الشركة قد تم اختيارهم مع مراعاة انتمائهم لخلفيات حياتية مختلفة، وبالتالي تتميز الشركة بوجود مزيج ثري بها. ويساعد ذلك التميز والتنوع على تحقيق التقارب الاجتماعي بين الموظفين أيضًا. إننا بمثابة أفراد لأسرة واحدة هنا، فإذا كان هناك أمر ما يمكن الاحتفال به، فإننا نحتفل به معًا. وإذا تعرض أحدنا إلى كارثة أو مشكلة شخصية، فكلنا نقف إلى جواره إلى أن يتجاوزها.’’
إن فقد الموظفين يمكن أن يمثل مشكلة لأية شركة، كما يشكل تعيين أفضل الموظفين تحدياً دائماً فضلاً عن الاحتفاظ بهم. ولتوفير عوامل تساعد عنتري بوزار على الإبقاء على موظفيه في شركته، فإنه يقوم بمكافأتهم من خلال حوافز تعتمد على الأداء، كما أنه يقدم لهم العلاوات. إلا أنه يرى أن توفير الرواتب الجيدة للموظفين والتي تساعدهم على العيش حياة كريمة هو الخطوة الأولي، وقد تكون أكثر الخطوات أهمية. ‘‘لدينا نظام لتقييم أداء العمل كل ثلاثة شهور، ونحن نوفر فرصاً للتطوير حتى يتمكن الموظفون من التطور في أعمالهم والتقدم وتحسين مكانتهم في الشركة. كما أننا نعلن عن الوظائف الشاغرة داخل الشركة أولاً، حتى نتمكن من ترقية الأشخاص من داخل الشركة أولاً، قبل التفكير في التعيين من خارجها.’’ ولتعيين الموظفين الجدد، تحافظ شركة ABM على علاقات وثيقة مع الجامعات التي تُدرس المواد التعليمية التي يجب أن يتعلمها الموظفون العاملون في الشركة. وتقوم الشركة بزيارات متعددة لتلك الجامعات للعثور على المتعلمين المحتمل تعيينهم. يقول محمد ‘‘على الرغم من أهمية السير الذاتية، فإننا دائمًا نجري مقابلات شخصية مع المرشحين للعمل للتعرف على مدى ملاءمتهم لبيئة العمل في الشركة، وهل سيتمكنون من المشاركة بشكل إيجابي أم بشكل سلبي في أنشطتها.’’
وكما هو الحال مع الكثير من أصحاب العمل الخاص، فإن محمد دائمًا لديه القدرة على تحويل الموقف الذي قد يبدو للعيان أنه من المواقف الصعبة إلى موقف جيد. ‘‘لقد قمت بإنشاء مبنى مخصص للشركة، إلا أننا لم نحتج إلى استخدام المبنى كله في ذلك الوقت. وبالتالي قمت بتأجير المساحة الخالية لبنك فرنسي كبير كان يبحث عن مكان له في الجزائر العاصمة. وفي نهاية الأمر، وصل الأمر إلى تأجير المبنى كله للبنك وقمت بإنشاء مبنى جديد. ونتيجة لذلك، تمكنت من زيادة رأس المال إلى جانب بناء علاقة جيدة مع البنك. وفيما بعد، تمكنت من الحصول على اعتماد من البنك لشراء قطعة أرض أخرى لإنشاء مبنى جديد. وقد ساعد ذلك على اقتحامي لمجال العقارات والعودة جزئيًا إلى مهاراتي الأساسية التي كنت قد اكتسبتها بالتعليم وهي الهندسة المدنية. وعندما أنظر إلى ثمرة ذلك، ألاحظ أن ذلك قد خلق لي فرصة جديدة، والآن، لدي شركة لبيع معدات الكمبيوتر بالجملة، بالإضافة إلى شركة ناشئة في مجال العقارات.’’
وعلى الرغم من ذلك، لم يكن طريق عنتري بوزار نحو النجاح في مجال الأعمال الخاصة مفروشًا بالورود طوال الوقت. فأكبر التحديات التي واجهها كانت أثناء فترة نمو الشركة، عندما كان في حاجة إلى رأس المال. ففي ذلك الوقت، كان من الصعب الحصول على استثمارات في الجزائر، فقد كانت سوق البورصة في البلد لا تزال محدودة، ولم تكن هناك صناديق استثمار، ولم تكن هناك أية أسواق مالية يمكن الحديث عنها. ولقد عثر محمد على شريك، إلا أن محمد يقول ‘‘لم يكن هذا الشريك هو الشريك المناسب. فلقد اتضح أن هذا الشريك لم يكن على قدر المسؤولية. لا أعتقد أن خطأي كان في البحث عن رأس المال، بل في الاختيار السيئ للشريك.’’ وكيف تعامل مع الخطأ الذي ارتكبه؟ ‘‘كنت ما أزال في حاجة إلى رأس المال، لذا، عندما بدأت أبحث عن شريك آخر، كنت أكثر حرصًا في البحث عن معلومات عن الشركة مثل مصدرها ومقدار الأموال المتاحة فعليًا بها، وسمعة الأشخاص الذين يديرونها.’’ واليوم، يعمل محمد مع مجموعة من البنوك الخاصة للحصول على التمويل الذي يحتاجه لتشغيل وتنمية عمله. ‘‘في تلك الأيام، عندما كنت ترغب في الحصول على قرض من البنك، كان يتوجب عليك في الكثير من الأحيان توفير الضمانات البنكية، مثل الممتلكات. وبالتالي، استخدم والدي بعض العقارات التي كان يملكها كضمانات. ولقد كنا نحاول أن نظهر أننا عندما نقترض من البنك، فإننا نتمتع بالمصداقية والقدرة على السداد، مما يدل على أن تجارتنا كانت رائجة.’’ ويحظى عنتري بوزار بعلاقات مع العديد من الشركاء الصناعيين مما سمح له بتنمية عمله وتحسين سمعة أصوله. يقوم الموردون بتقديم بعض الاعتمادات للشركة مما قلل من المخاطر المالية المرتبطة بالعمل، مع توفير وضع مالي عام أفضل للشركة. والشركاء الماليون يوفرون بعض المزايا، وهذا أمر مؤكد، إلا أن عنتري بوزار يقول ‘‘الجانب السلبي هو احتمالية الخطأ عند اختيار المستثمر أو الشريك مما قد يؤدي إلى احتمالية إبطاء استثماراتنا. وقد لا يكون لديهم نفس رؤية أو أهداف الشركة، وهذا قد يؤدي إلى حدوث مشكلة حقيقية.’’
وهناك تحدٍ آخر يواجه بوزار اليوم وهو الحاجة لتوفير المزيد من الاستثمارات لتطوير الشركة. ‘‘إنني أريد أن تبقى شركتي تحتل مكان الريادة في مجال عملي، وهذا يعني أنه يتحتم علينا الاستجابة للتغيرات التي تحدث في السوق ومواكبة تلك التغيرات، كما يجب أن نقف على 34
كل شيء جديد يحدث في المجال. وهذا يعني أنه يتعين عليّ توفير بعض الوقت للتركيز على هذه الأمور وإتاحة بعض الحلول بعيدة المدى. إن التحدي الذي تواجهه شركة ABM حاليًا يتمثل في تطوير الخدمات في مجال تقنية المعلومات، بدءًا من خدمة ما بعد البيع مثل الصيانة والإصلاح ووصولاً إلى الاستشارات والتطبيق. وفي الوقت ذاته، أريد أن أعد الأمور بحيث إذا أردت ترك الشركة في يوم من الأيام، يمكنها الاستمرار في تحقيق النجاح والازدهار بدوني. فأنا أحلم باليوم الذي يتم فيه ذكر اسم شركة ABM ضمن أفضل الشركات في البورصة الجزائرية، على الرغم من صغرها الشديد.’’
وعندما طلب من محمد عنتري بوزار تقديم نصيحة لأصحاب الأعمال الخاصة الذين يحذون حذوه، قال ‘‘لم أقرر الذهاب إلى المدرسة وتعلم الإدارة قبل بدء هذا العمل، فكان علي أن أتعلم كل شيء في المجال من خلال الممارسة والعمل. وقد استنفد ذلك مني الكثير من الوقت، وقد تعلمت الكثير من الدروس القاسية من خلال التجربة والخطأ. أعتقد أنه من الأفضل المشاركة في برنامج تدريبي كبير في مجال الإدارة، إما قبل بدء العمل التجاري أو بعد بدئه مباشرة.’’ ولكن، ورغم كل شيء، استمر محمد عنتري بوزار في الاجتهاد لتحقيق حلمه وتمكن من تحقيق ما صبا إليه، وربما يكون قد تمكن من تحقيق ما هو أكثر مما كان يحلم به. وهناك أمر واحد مؤكد: وهو أن والد محمد وجده، اللذان كانا من أصحاب الأعمال الخاصة الناجحين، كانا سيشعران بالفخر الشديد به اليوم.